كانت الساعة في معصمه تشير إلي العاشرة صباحا , والطقس خارج السيارة مزيج من الغبار والرطوبة , الشمس في انواكشوط لا تغادر السماء طيلة النهارات الحزينة التي تلثمت بها المدينة النائمة في حضن الصحراء الكبري.
وعلي طول الشارع المسمي: شارل ديكول ينتظم الناس في صفوف فوضوية حائرون وخائفون من العبث الساكن معهم في البيوت والشوارع
انعطف يمينا في اتجاه مركز الاستطباب الوطني لكي يتجنب الازدحام الخانق في منطقة اكلينيك , أرسل يده إلي مسجل السيارة وأدار المفتاح
كان الصوت القادم إليه حزينا جدا وحنونا جدا , ماجد المهندس يمد إليه يده
( إنس كل الناس خليني أحضنك...)
إنه بحاجة إلي حضن يخبئه من زوابع الألم الصارخ في أعماقه, رفع رجله عن البترول قليلا ليسمع الأغنية بهدوء فقد كان صوت الرياح الصافر في أذنه من شباك السيارة يمنعه الراحه.
فجأة تتوقف السارة التي كانت أمامه , ثمة سيارة إسعاف مهترئة تعبر الشارع في اتجاه المستشفي . ربما يكون الحادث الذي مر عليه قبل ساعة في مقاطعة عرفات هو السبب في انتقال الاسعاف بهذه السرعه. أو أن أحدا ما .... لماذا يشغل نفسه بتفسير كل شيء وتبرير كل شيء, الأمور هنا تسير عكس المتوقع , الناس في هذا الموقع من الأرض لا يخضِعون أمورهم عادة للعقل لذلك من الضروري أن يظل ذلك الاسعاف العجوز وسائقه المنهك في سباق مستمر مع اللاشيء ومع كل شيء!!!
ثمة أحدهم يقطع خلوته هذه , يصفر في أذنه بقوة ويتمتم بكلام غير مفهوم
الملابس التي يرتديها هذا الرجل لا تنبئ أنه شرطي ووجه الشاحب يختفي خلف كومة من الشعر الأشعث . سأله في دهشة : من أنت ؟ ماذا تريد
ساوره الشك, فربما يكون أحد العقلاء في مدينة المجانين هذه !!!
مد الرجل يده نحو جيبه قاطعا الأسئلة وهو يقول: جيب ألف أوقيه!!!
تساء ل في نفسه هل يعطيه ؟ إنه فعلا بحاجة إليها ربما يمر بظرف طارئ من يدري؟
أعطاه المبلغ ولم ينس النية فقد اعتاد علي التروي في كل شيء من أمره
ولكن ما بال صاحب الصفارة هذا يضايق المرأة في السيارة المتوقفة بجانبه ؟ يبدو أنه يريد منها نفس المبلغ ... نادي عليه : دعها وتعال خذ المبلغ مني سلمه ألفا أخري قائلا :السلامة أولي .
لا زال ماجد المهندس يناديه ( إنس كل الناس خليني أحضنك) زاد من صوت المذياع , لكن الأغنية تأتيه من السيارة المقابلة له حيث تجلس المرأة
نظر إليها وفي عينيه سؤال عميق: ربما هي بحاجة إلي من يفهمها , ربما تعيش نفس الألم الذي يجتاحه, ثم ابتسم قائلا : غريب!!! نظرت إليه ثم قالت : شنه الغريب؟ قال: كنت أستمع إلي نفس الأغنيه . وهل في الأمر غرابه قال نعم . شيء ما في عينيك يخبرني أننا شبيهان , ابتسمت والحيرة في عينيها كأنما تريد أن تقرأ فنجانه.!!!
لكن طابور السيارات الذي يزحف خلفهم يقطع حديث العيون هذا وينطلق الإثنان . انعطفت الفتاة يسارا في اتجاه الحي الراقي شمال انواكشوط, فقرر أن يتبعها , يجب أن يقف علي هذا السر الذي يربطهما . لقد مضت وفي عينيها سؤال يشبه سؤاله ! وكلا م يشبه كلامه ....
توفقت أمام إحدي الفلل الأنيقة في حي البرجوازية الجديدة والذي يدعي تفرق زينه.
لحق بها قبل أن تنزل من السياره . معتذرا عن إتباعه لها قائلا: أنا تبعتك لأني شيئا مني سقط في سيارتك , هل يمكن أن أبحث عنه؟
قالت وبعض الحيرة المشوبة بإحساس الأنثي : ماطاح لك شيء هنا من فضلك واصل طريقك لقد ضللتها. لم يدعها تكمل , طريقي حيث طريقك ولا يزال النهار في أوله ربما نجد لأنفسنا مكانا رحبا خارج زحمة المدينه
وننسي كل الناس , ونحضن بعضنا .. نحن نفتش عن نفس الغايه , إن شيئا ما ضاع منا في زحمة الحياه , ماعاد الناس يبحثون عنه ولا يشعرون به , الظمأ الحارق في قلبك هو نفسه الذي ترينني ألهث بسببه, وهناك خلف زحمة الأشياء وغفلة الناس سنبني في ربيع العمر القادم بيتا جديدا ننسي فيه كل الناس , وننسي حتي أعمارنا سنزرع مع كل شمس جديده ,وردة للزمن القادم . وسيعرف الغافلون عنا ذات يوم أن وردة في نهاية المنحدر
أثمرت في المدينة المرهقة . مولودا جميلا : أسمه الحب









من أروع الأشياء أن نتأمل وردة في أرض تعرف بعطشها للماء، ولكن الأروع هو أن تتفتح أوراقها بالحب.
حتى ولو لم نجد الحب في الأراضي الخضراء......
"زائرة لمدة قصيرة"